Tuesday, September 18, 2007

شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب الحلقة الأولى

حدثنا ابن الصافي عن ابن لكع عن أبيه عن جده قال :

بينما نحن جلوس عند ابن سليمان .. وقد جرى في خبر ما كان .. في بعض أيام الزمان .. إذ طلع علينا رجل أعرج مصاب .. وقد بدأ يتخطى الرقاب .. فلما لمحه ابن سليمان .. تشنج كأنما مسه الجان .. فكلمه هنيهة على عجل .. وقد بدا أنه أصابه الملل .. فلما ذهب الصاب .. نظر ناحيتنا ثم قال ..

أتدرون من هذا المصاب؟ .. فقلنا له ليس إلى ذلك من سبيل .. فحمد الله ثم استرجع .. وحوقل ثم اتبع .. ثم استفتح فقال :

قضت بنا الدروب .. وكثرة الكروب .. والحاجة للعمل .. وإعمالة الملل .. أن نعمل لدى جماعة .. قد زينت سمعتهم بالطاعة .. وشاع عنهم الحفاظ على الجماعة .. والاستغفار في كل وقت وساعة .. وصيام النوافل من اثنين وخميس .. والابتعاد عن أعمل الشيطان الرجيس .. فلما سمعت الخبر .. قلت قد جوزي من صبر .. فقذفت نفسي بين أيديهم مخلصا .. وكنت لهم كالمسيح للنصارى مخلصا .. ودأبت على خدمتهم كالحمار .. وصبر على طلبات المتقين الأبرار .. وكلي حسن ظن بالصالحين .. والدعاء بإصلاح الدنيا والدين .. وكانوا كأي قوم معروفين .. لهم إدارة وموظفين .. وكان رأسهم سيد الأبرار .. وحامل لواء الأخيار .. صاحب الخلق الحسن .. ومدرك إخوانه من المحن .. وكان لا يتوانى في التسبيح .. وإطلاق كل قول مليح .. فإذا جلست بين يديه .. خلته في النحو ابن مردويه .. وفي الفقه ابن خالويه .. وفي العقيدة ابن مالويه .. وفي العلم ابن خصيتيه .. وكان يكنى بابن كذبويه ..

وكان له نائبان .. حسنا الخلق ظريفان .. أحدهما الأعرج ابن مسكويه والآخر ذو اللحية ابن زيدويه ..

فأما الأعرج ابن مسكويه .. فكان رجلا قليل الكلام .. صاحب عفة ووئام .. وداعية من دعاة السلام .. وأما ابن زيدويه .. فكان من الخشوع بكاءا .. وللظمآن سقاءا ..

وكان لابن كذبويه شريك حسن السمت .. كثير الصمت .. وكان يلقب بابن شكويه ..

ولهؤلاء الأبرار قصص عجيبة .. وأحوال غريبة .. من رآهم خال فيهم الشهامة .. وقلوبا أبيض من الرخامة .. وأرواحا ترف كالحمامة .. ولم أدر أنها كالقمامة .. تعج بالأعفان حتى الثمالة .. ..

وعشت على ذلك ردحا من الزمان .. وأنا أؤمل الرقي إلى العنان .. ولم أكن أدري بما يجريه القدر .. وأن أحداثا ستكون فيها العبر ..

وبعد أن أمضيت عندهم مدة .. وقضيت فترة التجربة كفترة العدة .. جلست إلى ابن كذبويه .. لينظر في أمرنا .. فأقسم بالطلاق ثلاثا أننا من الأبرار .. وأنه ما خاب من استشار .. فلابد أن يجالس نائبيه .. وشريكه ابن شكويه .. لينظر إلينا بإمعان .. وليفتي في أمرنا بإتقان .. وأصر بعد ذلك على الاستخارة .. ليتمم ما قال من عبارة ..

وجاء في الصباح .. وأعلن الاجتماع كاستفتاح .. فحمد الله ثم أثنى عليه .. وصلى على الرسول والصحابة ورضي عن زوجتيه .. واستغفر الله سبعا وسبعين .. ثم قام فصلى بنا ركعتين .. ودعا بدعاء القنوت في ساعتين .. ثم استأنف فقال .. مبروك عليك الوظيفة .. ولك منا المدائح الخفيفة .. وإن الموارد شحيحة .. ونفقات العيال غير مريحة .. وأطلق الكلام على هذا المنوال .. وتغنى به كأنه موال .. فما زال يشتكي من الفاقة .. واشتداد الحال .. حتى كدنا أن نعفيه من الرواتب والأموال .. وزهد لنا في الرواتب .. ووعد خيرا في العواقب ..

فخرجنا من عنده نحمد الله على العطايا .. ونسأله الخير في النوايا ..

ومر شهر تلوه شهر .. وبدأت على المتقين علامات التغير والقهر .. وبدأت الأقنعة بالسقوط .. وجرت الأقدار بما هو مخطوط ..

فأما ابن كذبويه فقد بان على حقيقة أمره .. وبان لنا عظيم مكره .. فإذا به صاحب حيلة في الكلام .. وصاحب قدم عند اللئام .. وليس أفضل منه في قطع الوعود .. بما هو موجود وغير موجود .. ويحلف بالله على كل أمر أنه حسن النية .. صاحب خير طوية .. ولكنك لاتدرك منه إلا الهباء .. كوعده لك أن تمطر السماء ..

وأما شريكه ابن شكويه .. فذلك في الشك معروف ..ووعده كذب مخلوف .. يحيك بالليل المكائد .. ويصطاد في الماء العكر والراكد .. وكان هو المسؤول عني في التدريب .. وفهم أنظمة الحواسيب .. وكان عندنا عاقل لبيب .. نرجع إليه إذا احتدم الخطب .. وكان يسمعنا من جميل الكلام .. ثم إذا اجتمع بشريكه صب فينا الأسقام .. فلعنة الله عليه من كذوب ..

وأما صاحبه ابن مسكويه .. وكنا نسميه الأعرج الدجال .. لكثرة كلامه والجدال .. ولسوء عاقبة من كان تحت إمرته في الأشغال .. فإنه لا يعجبه العجب .. ولا الصيام ولا الصلاة في رجب .. وكان كثير الشكوى على الموظفين .. وأنهم في أعداء لله والدين .. وأن العمل يتطلب الجد والتعب .. وكثرة الإخلاص بلا نصب .. وكان مكروها من جميع الموظفين .. الصالحين منهم والطالحين .. وكنت قد وقفت له بالمرصاد .. أقتنص خزاياه في الحاضر والباد .. ووقع ذات مرة أن حضرنا للإفطار .. بعد أن انقضى قطع من النهار .. فجلسنا نأكل صامتين .. والكل على الطعام قائمين .. فنظر خلسة من إحدى النوافذ .. فإذا بقطيع من الأغنام .. يسوقه راع غير مفهوم الكلام .. فأحب أن يستفزنا بعبارة .. كانت على البنزين كالشرارة .. فقال وهو يبتسم بخبث واضح .. ولؤم جائح .. ماقولك لو أنك ترعى ذلك القطيع .. وأن تريحنا من شرك المريع .. فقلت له مجيبا فطنا .. إني أعرف بعض الغنم تريد راعيا .. فكف عن الكلام مراعيا .. فنزلت على رأسه كالساطور .. وضحك الجميع من خزية المغدور ..

وأما ابن زيدويه .. فويه من حاله ثم ويه .. فقد كان يلقب بذي اللحية الكذاب .. وإنه عندنا من شر أولي الألباب .. وسوف أكتب عنه بإطناب .. ليكون معروفا عند كل الأحباب ..

فما هذه سوى المقدمة .. وسوف نأتي بالتفصيل .. وما حدث وما قيل ..

والسلام عليكم ورحمة الله ...

نهاية الحلقة الأولى

 

Posted by بدائع الزمان at 03:25:21 | Permanent Link | Comments (0) |
Comments
Write a comment