عالم عجيب
عالم عجيب.. نرزح جميعا تحت وطأته .. نناشد تماثيل مجسمة .. غادرتها أرواحها منذ نعومة أظفارها .. فماتت مرتين .. مرة حين ولدت ومرة حين تموت .. أناشد الحياة أن أخاطب الأحياء .. علي أجد حيا .. ولكن الأصنام تنطق ..
لتخط أغان زينها اللاشيء .. ولتعقد العزائم على مجهول لا تدركه .. أسيح في فضاء لا نهاية له .. فكل ما حولي جمادات تسبح في كون سرمدي .. كون يعج بدوي الأحزان .. ويمطر آلاما لا نهاية لها ..
تأخذني الحياة عبر دهاليز الزمن .. لأعبر بحارا لم يسبر غورها .. أرحل من مدينة إلى أخرى .. ومن جزيرة لأخرى .. أبحث عن اللاموجود .. وأستقصي اللامعقول .. وأعود لطاولتي صفر اليدين .. لا شيء سوى قصص نسجتها الأيام .. وحكايا ندخرها للمشيب .. حين تذبل الزهرة .. وتجف الثمرة ..
أمشي في نفس المكان .. أياما ودهورا طويلة .. لأكتشف أنني مازلت عند نقطة البداية .. والتي هي نفسها النهاية ..
كلمات لا معنى لها .. في كون يتجدد .. ويتغير ويتبدل ..
قلبت صفحات الحياة .. لأقرأ قصص السابقين .. ممن كانوا أحياءا فلم أجد سوى أساطير .. سطرتها أيد بمداد الألم ..
وكتبتها بقايا أمم خلدت ذكراها بجراح تنزف ..
في كل فترة عن الكتابة .. أعيش حدثا سطره القدر .. ثم لا يلبث أن يتحول لقصة لا معنى لها .. إنها الذكرى ..
عن أي ذكرى نتحدث؟؟! .. فالذكرى وهم من خيال متألم .. عقل ابتلعته أمواج الأسى .. وهوت به على شاطئ حدث جديد .. قتلته الصدمة .. فعاش الذكرى متناسيا الواقع ..
أعود لطاولتي ... وفي كل مرة أعود .. أكون وحيدا .. لأتحدث إلى القلم .. وليجمع شتات أفكار مزقها الخوف ..
خوف من جديد غير معلوم .. وخوف من وعد مجهول ..
حين نبكي يفرح القلب .. فالقلب الفرح هو القلب المكلوم .. لأن الفرح لا معنى له حين يكون بدون حزن ..
زمن متقلب .. يجمع الأضداد فينا .. ولولا الأضداد .. لمتنا من توحد الحال .. لأن توحد الحال يسوق إلى ملل أبدي ..
يتساءلون لم مختلفون هم ؟! .. فخلافهم بدل حياة الوحدة إلى حدث متجدد .. تنساق فيها النفس إلى غياهب المجهول .. حين تفتش صفحات المستقبل .. تروم أخاديد لا تعرفها .. وتجر أملا قد عقد على سمك لا يعيش في النهر ..
يقولون الحب ! .. وما معنى الحب ؟! ..
كلمة اتزرت بها الأصنام .. لتحيي حجارة ما آن لها أن تلين .. ولكن سرعان ما تنقلب الكلمة إلى هوى طائش .. فتلقي بها في غيابات جب المهانة .. ويغوص أعماق بحر الحيرة .. ليستيقظ في نهاية الأمر وهو ملقى على شاطئ الواقع .. فيعلم أنه مزق أياما ما آن لها أن تعود .. ويعيش في عالم الشعور .. ليرى حقيقة اللاشعور ..
أعود في كل مرة وتزداد الحيرة .. أقنعة تسقط .. وأمواج تتحطم على صخور الرغبة .. تكمن في بحر الحياة المتلاطم ..
أعود وقد مادت بهم سفن النجاة .. حيث أغرقتها أثقالهم .. وما وزروه من متاع متلاش ..أسبح متمسكا بطوق نجاة ضعيف .. أغوص تارة .. وأبقى على سطح خداع .. أرقب من تحتي وقد سبروا أعماقا زادت من بؤسهم .. وقد أسكرتهم برحيق سعادة وهمية .. حين ظنوا أنهم ملكوا الخورنق .. وهم أرباب الشويهة ..
اسألوا الإخلاص .. حين كان حيا بين أظهركم .. ثم هجرتموه .. فهاجر لجزيرة المنفى .. ليرثي نفسه ما بقي الدهر ..
اسألوا الوفاء .. حين مزقتم أحشاءه .. فارتقى شهيدا على بواطنكم .. غادر دونما جذوة أمل في عودة ...
يقولون الولاء ! .. الولاء الخالص للمولى ! .. أم ولاء مدينة الآفات ؟! .. أم ولاء الذات للذوات ؟! ..
يقولون الصدق ! .. وقد شيعوه بالأمس .. بعد أن طال وجعه .. واشتدت قرحته .. وسمعت أناته ..
في وطئة الأحزان .. وتحت ستار العتمة .. حين تختنق الروح .. ويمل الجسد .. وحين تذبل الأزهار .. وتهاجر طيور السلام .. وحين ينزل المطر .. ويعلن الشتاء قدومه .. وتختفي الشمس .. متقنعة بسحابات سوداء .. أشبه بعباءة تلف جسد العالم .. حين ترزح الأشجار تحت أنين حبات المطر .. وحين يغيب الدفء عن تربة موحلة .. وحين تعج الأماكن بفوضى لا حدود لها .. وحين تفر الحمر وقد استنفرت .. وهزيم الرعد يدوي .. من مزجار من نار ..
دورة الطبيعة .. تملي علينا دروسا قد غابت عن وعي بائس .. إنها رحمة بعد مشقة .. وفرج بعد صبر طويل .. وألم وتماد عظيم .. ويأس وقنوط ..