Friday, November 23, 2007

عالم عجيب

عالم عجيب.. نرزح جميعا تحت وطأته .. نناشد تماثيل مجسمة .. غادرتها أرواحها منذ نعومة أظفارها .. فماتت مرتين .. مرة حين ولدت ومرة حين تموت .. أناشد الحياة أن أخاطب الأحياء .. علي أجد حيا .. ولكن الأصنام تنطق ..

لتخط أغان زينها اللاشيء .. ولتعقد العزائم على مجهول لا تدركه .. أسيح في فضاء لا نهاية له .. فكل ما حولي جمادات تسبح في كون سرمدي .. كون يعج بدوي الأحزان .. ويمطر آلاما لا نهاية لها ..

 تأخذني الحياة عبر دهاليز الزمن .. لأعبر بحارا لم يسبر غورها .. أرحل من مدينة إلى أخرى .. ومن جزيرة لأخرى .. أبحث عن اللاموجود .. وأستقصي اللامعقول .. وأعود لطاولتي صفر اليدين .. لا شيء سوى قصص نسجتها الأيام .. وحكايا ندخرها للمشيب .. حين تذبل الزهرة .. وتجف الثمرة ..

 أمشي في نفس المكان .. أياما ودهورا طويلة .. لأكتشف أنني مازلت عند نقطة البداية .. والتي هي نفسها النهاية ..

كلمات لا معنى لها .. في كون يتجدد .. ويتغير ويتبدل ..

 قلبت صفحات الحياة .. لأقرأ قصص السابقين .. ممن كانوا أحياءا فلم أجد سوى أساطير .. سطرتها أيد بمداد الألم ..

وكتبتها بقايا أمم خلدت ذكراها بجراح تنزف ..

 في كل فترة عن الكتابة .. أعيش حدثا سطره القدر .. ثم لا يلبث أن يتحول لقصة لا معنى لها .. إنها الذكرى ..

 عن أي ذكرى نتحدث؟؟! .. فالذكرى وهم من خيال متألم .. عقل ابتلعته أمواج الأسى .. وهوت به على شاطئ حدث جديد .. قتلته الصدمة .. فعاش الذكرى متناسيا الواقع ..

 أعود لطاولتي ... وفي كل مرة أعود .. أكون وحيدا .. لأتحدث إلى القلم .. وليجمع شتات أفكار مزقها الخوف ..

خوف من جديد غير معلوم .. وخوف من وعد مجهول ..

 حين نبكي يفرح القلب .. فالقلب الفرح هو القلب المكلوم .. لأن الفرح لا معنى له حين يكون بدون حزن ..

زمن متقلب .. يجمع الأضداد فينا .. ولولا الأضداد .. لمتنا من توحد الحال .. لأن توحد الحال يسوق إلى ملل أبدي ..

يتساءلون لم مختلفون هم ؟! .. فخلافهم بدل حياة الوحدة إلى حدث متجدد .. تنساق فيها النفس إلى غياهب المجهول .. حين تفتش صفحات المستقبل .. تروم أخاديد لا تعرفها .. وتجر أملا قد عقد على سمك لا يعيش في النهر ..

يقولون الحب ! .. وما معنى الحب ؟! ..

كلمة اتزرت بها الأصنام .. لتحيي حجارة ما آن لها أن تلين .. ولكن سرعان ما تنقلب الكلمة إلى هوى طائش .. فتلقي بها في غيابات جب المهانة .. ويغوص أعماق بحر الحيرة .. ليستيقظ في نهاية الأمر وهو ملقى على شاطئ الواقع .. فيعلم أنه مزق أياما ما آن لها أن تعود .. ويعيش في عالم الشعور .. ليرى حقيقة اللاشعور ..

أعود في كل مرة وتزداد الحيرة .. أقنعة تسقط .. وأمواج تتحطم على صخور الرغبة .. تكمن في بحر الحياة المتلاطم ..

 أعود وقد مادت بهم سفن النجاة .. حيث أغرقتها أثقالهم .. وما وزروه من متاع متلاش ..أسبح متمسكا بطوق نجاة ضعيف .. أغوص تارة .. وأبقى على سطح خداع .. أرقب من تحتي وقد سبروا أعماقا زادت من بؤسهم .. وقد أسكرتهم برحيق سعادة وهمية .. حين ظنوا أنهم ملكوا الخورنق .. وهم أرباب الشويهة ..

اسألوا الإخلاص .. حين كان حيا بين أظهركم .. ثم هجرتموه .. فهاجر لجزيرة المنفى .. ليرثي نفسه ما بقي الدهر ..

اسألوا الوفاء .. حين مزقتم أحشاءه .. فارتقى شهيدا على بواطنكم .. غادر دونما جذوة أمل في عودة ...

 يقولون الولاء ! .. الولاء الخالص للمولى ! .. أم ولاء مدينة الآفات ؟! .. أم ولاء الذات للذوات ؟! ..

 يقولون الصدق ! .. وقد شيعوه بالأمس .. بعد أن طال وجعه .. واشتدت قرحته .. وسمعت أناته ..

في وطئة الأحزان .. وتحت ستار العتمة .. حين تختنق الروح .. ويمل الجسد .. وحين تذبل الأزهار .. وتهاجر طيور السلام .. وحين ينزل المطر .. ويعلن الشتاء قدومه .. وتختفي الشمس .. متقنعة بسحابات سوداء .. أشبه بعباءة تلف جسد العالم .. حين ترزح الأشجار تحت أنين حبات المطر .. وحين يغيب الدفء عن تربة موحلة .. وحين تعج الأماكن بفوضى لا حدود لها .. وحين تفر الحمر وقد استنفرت .. وهزيم الرعد يدوي .. من مزجار من نار ..

دورة الطبيعة .. تملي علينا دروسا قد غابت عن وعي بائس .. إنها رحمة بعد مشقة .. وفرج بعد صبر طويل .. وألم وتماد عظيم .. ويأس وقنوط ..


Posted by بدائع الزمان at 19:35:28 | Permanent Link | Comments (1) |

من وحي القلم

حينما تتعارك مع الحياة .. تجد العجب .. ففي صميمها تجد كل الألوان .. وكل يختار لنفسه ما يشاء .. وكل يختار ما يشاء .. فجنس البشر كالموسيقى .. تختلف أنغامها .. والبشر بين بين .. يطربون على هذا ويمرضون من ذاك ..

وحين تنظر إليهم .. تجد كل الألوان بادية أمامك .. فتنتقي ما شئت .. وتترك ما شئت .. ولكن تقلب الأمزجة يحتم عليك التنويع .. فما تطرب عليه اليوم .. سيبعث فيك الاشمئزاز غدا .. وما كنت لا تفكر فيه أبدا .. تمسي وقد أحكم القبضة على تلابيب عقلك .. ولربما كسر الحصون واستقر في قلبك ..

وهذه هي عجلة الزمن .. تمر بنا فلا تترك بابا إلا وولجته .. ولاتدع قفلا إلا وفتحته ..

وقفت على بوابة الزمن أنظر فيها .. وأترقب من بعيد كل من هم حولي .. ربما في الواقع المرئي حولي .. ولكن واقع الإدراك أبعدني ومنعني أن أكون بينهم .. فليس بينهم إلا الجسد الفاني .. أما تلك الروح فقد هاجرت منذ زمن .. تبحث عم ما يروي لها ظمئها ..

وفي كل مرة أنظر صامتا .. لأرى نزوات الزمن القاتلة .. وهي تتلاعب ببني البشر .. دونما رأفة أو رحمة ..

أقف بعيدا .. وألوذ بصمت يغطيني بهالة من سواد خادع .. يخفي داخله إنسان من بني البشر .. وما ذلك القناع إلا ليواري ذلك الجسد .. من هجمات الذئاب المفترسة والتي لم تعرف معنى الآدمية .. رغم أنها شابهته في الخلق ..

يسألون لم الغموض ؟! .. وهل الغموض سوى ثوب نلبسه .. ليحمي من برد أخطاء البشر .. وما هو إلا درع يحمي الأرواح من طعنة نافذة تقتله إن ترك عاريا ..

حينما يعيش الانسان في زمن وهو يسبقه بكثير .. يعلم ساعتئذ أنه يعيش في وهم خادع .. وأنه لا يلبث يرتحل يبحث عن حقيقة لا معنى لها .. بين العلم والواقع ..

لقد قرأت الكثير عن الحياة .. وعن الأسلاف والأجداد .. ولم أجد فيها سوى الدورة نفسها .. نحيا ونعمل ونموت .. ثم ننتقل إلى الحقيقة بعينها ..

كم يلزم الإنسان ليتصالح مع المخلوقات من حوله .. أن يجدها قريبة من طيفه .. وأن يتحد معها في عالم التفرق والتباغض ..

سمعت آراء الكثيرين حول كل شيء .. ولم أجد فيها شيئا إلا نزرا يسيرا من الشيء .. وحتى هذا الشيء لا يعلمون أنه شيء ..

ولكن الاصرار والتحدي .. هما اللذان يصنعان كل شيء .. وإن اختلفت الظروف والامكانات ..

فحتى ذلك الحين .. سأبقى صامتا .. أسبح مع الأبدية .. إلى أن أعرف كنه الشيء ...

Posted by بدائع الزمان at 19:26:32 | Permanent Link | Comments (0) |

Tuesday, November 20, 2007

شيء في صدري

 

 

 

كثيرا ما يسألني الناس عن سبب انفعالي المفاجئ .. والذي يأتي مفرطا في كثير من الأحيان .. رغم أني سرعان ما تهدأ ثورتي وأعود لطبيعتي .. متناسيا الذي حدث .. سواءا كان الحق لي أم علي ..

 

ولذلك تتبعت بدقة متناهية سر هذا الأمر العجيب .. محاولة مني لكبح جماح ثوراتي المتواصلة .. وياللعجب حينما وجدت أن الأسباب مثيرة للأعصاب إلى حد فقدان المرء السيطرة على نفسه ..

 

أسباب كثيرة تسبب لي الاكتئاب القاتل .. والثورات المتتالية ..والهم والحزن ..

 

فمن أهم الأسباب على الاطلاق .. عدم التقدير الصحيح .. فمن الواجب أن أقوم بدوري وأن أظهر شجاعتي خدمة للآخرين .. بينما لا أجد أي رد فعل بثناء أو بتصرف تحمد عقباه من الآخرين على السواء ..

 

أجد الجميع يسعى خلف مصلحته .. ولو كانت على حساب حياة الآخرين وحرياتهم .. دونما مراعاة لمشاعر أو ما شابه ..

 

ففي المجتمعات الشرقية .. تجد الصلافة والفظاظة طابع غالب على الناس .. ففي منظورهم لا يكون الرجل رجلا إلا إذا كان فظا غليظ القلب .. تهابه الناس من شخصيته المثيرة للشفقة بنظري .. والعجيب والغريب أن الإسلام دين غالب المجتمع الشرقي ينهى عن هذا التصرف .. فالله خاطب رسوله من فوق سبع سماوات فقال (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)  .. فتجد فيهم من الصرامة ما يكون مدعاة لأن تخافه خوفا لا تهابه وقارا .. فالهيبة والوقار والخوف أمور قد أساء الناس فهمها ..

 

فالوقار حلة يكسوها الله من يشاء .. فتجد نفسك إن جالسته تحبه وإن عاملته ترتاح له نفسك في قرارتها .. ولكنك توقره وتهابه وقارا واحتراما له لا خوفا منه .. بينما الخوف يأتي من احتمال وقوع الشر .. فإن الفظ في الغالب دائم العبوس (كالمجتمعات الشرقية) تخافه لأنك لا تريد الوقوع في شباك خباله ..

 

والعجيب والغريب أن المجتمعات الشرقية بصفة عامة .. تتحلى بصفات وعادات ما أنزل الله بها من سلطان .. أتى بها جهلاء من القدم .. فأصبحت عادة لدى الكثيرين ..

 

فعلى سبيل المثال .. معروف لدى المجتمعات الشرقية .. أنه من العيب على الرجل أن يبكي .. مع أن البكاء في ذاته رحمة .. والعجيب أن النبي عليه السلام بكى في مواضع كثيرة في الحياة العامة .. فعندما رفع إليه ابن بنته ونفسه تقعقع .. سالت دموعه فلما سأله الصحابة ما هذا يا رسول الله قال (تلك رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) .. وكذلك فعل بأبي هو وأمي حينما قبل عثمان ابن مظعون وهو مسجى فقد بكى .. وإلى غير ذلك ..

 

فالشاهد في الموضوع .. أن مشاعر الآخرين كغيرها من الأمور التي لا يلقي الناس لها بالا .. وإن ألقوا فتجدها لإحدى أسباب سأذكرها ..

 

1-     إما أن يكون عزيزا أو قريبا فلا سبيل إلى جرحه .

2-      إما أن يكون صاحب منفعة لم تنقض فلا بد من الحرص على مشاعره.

3-     إما أن تكون أنثى ومشاعر الأنثى لا يجوز أن تمس بسوء (زلمنه معفنه).

4-     إما أن يكون ذا منصب أو جاه فلن يستطيع أحد أن يمس مشاعره الرقيقة.

 

وأما المفقود .. فهو احترام المشاعر لكونه إنسان .. فهذا وللأسف نادر عند الناس إلا من رحم ربي .. فتجد الآخرين لا يقدرون جهود غيرهم لإحدى الأسباب التي سأذكرها ..

 

1-     أنهم لا يتوقعون منه ذلك وكا يقولون بالعامية (بتيجي مع الدكش طابات).

2-     حسدا منهم (وهذا هو الغالب).

3-     قهرا وغيظا (وهذا كثير جدا).

4-     أنه واجب عليه ذلك ولا شكر على واجب.

 

في علم التربية .. يذكرون أمورا عظيمة في تحسين مواهب الطفل .. كالثناء عليه عند عمل أي شيء مرغوب .. وعقابه بأسلوب راق حين يأتي بعض الأخطاء والذنوب .. وما الإنسان إلا طفل كبير .. وفي مسيرة حياتي وللأسف .. ومن خبرتي في علم النفس وموهبتي التي حباني الله في تحليل الشخصيات .. وقراءة الأفكار وغيرها .. فقد وجدت عند كثير من الناس الذين عرفتهم ورأيتهم مرضا نفسيا واحدا .. سببه لهم المجتمع ..
وهو الكبت العاطفي .. فالكل يكبت عاطفة داخلية .. لا يستطيع إظهارها حتى لا يقال عنه أنه ليس برجل ..
وفي نهاية المطاف .. كان لا بد من استدراج كل ليبوح بما في نفسه .. ثم ينهار باكيا .. ويأتيني في اليوم التالي ليقول (شكرا محمد أنا كتير ارتحت) .. وتجده كغيره في حياته يعيش شخصيتين مختلفتين .. نفس داخلية مقتولة .. وشخصية مصطنعة قاتلة .. ثم تكون النتيجة أن يكون ضحية من ضحايا السكتات القلبية .. والأمراض المزمنة كالضغط والسكري وغيرها ..

 

والعجيب في الموضوع .. أنهم يدركون ذلك ولا يتخذون أية تدابير للحيلولة دون وقوع هذا الأمر .. ومن تجربتي وخبرتي .. فإن الكبت أشد على الإنسان من أي عامل آخر .. لأن النهاية هي السقوط في هاوية الأوجاع والأمراض التي لا تفارقه ولا تبارحه حتى ينقضي عمره ..

 

لماذا كل هذا ؟؟ ..

 

لم أكن ذات يوم ممن يظهرون ذاتهم .. لأنني أؤمن بداخلي أن اكتشاف الناس لك خير ألف مرة من عرض نفسك على الناس .. فإن الناس حين تكتشف الآخرين يسوقها الفضول إلى ذلك .. فتجدها تحاول معرفة ما تخفيه تلك الشخصية .. أما من يسوق نفسه .. فتجد الجميع من حوله يقولون بأنه مغرور وأنه يدعي ما لا يملك .. وهذا وللأسف واقع موجود .. والأعجب من ذلك .. أن الجميع يقولون لابد أن تسوق نفسك .. وبالشكل الصحيح .. فإذا كان تسويق النفس يفضي إلى نتيجة غير محمودة عقباها .. فحري بي أن لا أسوقها إلا بشكل عام ..

 

بطبعي أحب المفاجآت وعناصرها كافة .. أحبها كشخص يحب أن يفاجئ الآخرين كثيرا .. وهذا أسلوبي حتى في التسويق .. وكما يقول ابراهيم الكوني (إذا أردت أن لا تنتهك فاحرص على أن لا تعرف – بضم التاء وتسكين العين وفتح الراء - ) لذلك أميل إلى هذا القول كثيرا في حياتي العامة والخاصة .. وهذا رأي شخصي خاص .

 

حينما تحلل شخصيات الآخرين .. تتخذ منهجية معينة .. فكل ينظر من زاوية معينة إلا الآخرين .. ولكن لم أجد أحدا ينظر من كل النواحي .. حتى في علم النفس وعلم السلوك .. لم أجد أحدا ينظر إلى كافة النواحي .. ولكنهم يركزون على ناحية دون أخرى .. والعجيب والغريب .. أن جل من حاول فهم شخصيتي وصلوا إلى نتائج خاطئة .. وهي في جلها تتمركز حول الغموض .. وهو شيء مقصود ..

 

تعلمت في حياتي أن أتعلم من حولي .. فكثيرا ما أقرأ في الكتب المختلفة .. من مختلف الموارد والعلوم .. أعجبني الغموض بجميع أحواله .. لأن الغموض هو ما يحرك الكوامن في النفس لتعرف المزيد .. ولتبقى متعلمة إلى الأبد ..

 

عذرا .. لقد استطردت كثيرا حتى خرجت عن الموضوع المهم .. وإن كان الاستطراد مهما في هذا المكان نظرا لتعلق الموضوعات بعضها ببعض ..

 

فما أردت الوصول إليه .. أن أسلوب التعامل .. وانكار انجازات الآخرين .. أمر يثير الاشمئزاز .. ويحبط المعنويات إلى أبعد حد ممكن ..

 

البعض يتخيل .. أن المال هو العائد الصحيح وهو ما يعوض عن كل الأمور .. وأنا أختلف مع الجميع في هذا .. لأن المال أجر .. والأجر لا ينبغي أن يبخس .. وإن كانت المكافئات محفزا فهو عامل .. ولكن العامل النفسي أهم بكثير من العامل المادي ..  لأني ببساطة .. بعد عشرين سنة .. لن أذكر المال .. ولكن سأذكر الأقوال والأفعال ..

 

كنت أتحدث ذات مرة إلى شاب معي .. فذكرت رجلا مبغضا من أهل الأرض والسماء .. فقلت له مخاطبا (في حياتك حين تقوم بأي عمل تذكر أن الناس سيذكرونك بعد عشرين سنة .. فإما أن يقولوا رحمه الله أو أهلكه الله فاختر لنفسك ما شئت) .

 

فما أذكر هنا ليس المال .. إنما السلوك البشري المحض .. لأن المال يأتي ويذهب ولكن الكره والإساءة إن أتت تبقى ولا تزول ولو كنت مسامحا ..

 

فالعامل النفسي هو أهم بكثير من أي عامل آخر ..

 

في العمل كغيره من الحياة العامة .. مجتمع مصغر .. يضم الصالح والطالح .. والغث والسمين .. وما إلى غير ذلك ..

 

وفيه يكون التقدير بمعايير ثابتة .. لا تتغير .. ففي رحلتي في الحياة .. عملت في أكثر من مجال .. تحت اشراف أكثر من شخص .. وكان في كثير من الحالات .. أهم المعايير ارضاء السادة المدراء .. وتطبيق شروط (وأن محمدا رسول الله) عليهم .. وهي كما يلي ،

 

1-     طاعته فيما أمر .

2-     وتصديقه فيما أخبر .

3-     واجتناب ما نهى عنه وزجر .

4-     وأن لا يتم العمل إلا بما شرع .

5-     وتحمل نتيجة أفكاره الخاطئة بكل صدر رحب.

6-     وعدم اثبات خطئه لأنه معصوم عن الخطأ.

 

وقد يظن البعض أنني أستهزأ وأنني أتقول على الناس .. ففي إحدى الأماكن التي عملت بها .. كان أحد المدراء يقول بالنص الحرفي (الصحيح مني والسقيم منكم) .. وهذا أمر وللأسف موجود في كثير من الأمكنة .. ولقد قالها لي رجل آخر وهو محسوب على إحدى الإدارات .. فقال بالنص (إن كان ثمة زلل أستطيع أن أتهم بي غيري فإني سأفعل ثم عقب وقال هيك البزنس) .. والأعجب أنه من الناس المحسوبة على أهل اللحى والصلوات .. فإذا كان هذا يقول مثل هذا الكلام .. فماذا أنتظر من عامي جاهل قد لا يكون يحسن الوضوء ..

 

وللأسف .. فإني وإن بلغت من العلم مبلغا أنا أعده يسيرا .. لكنه في مجالي لا بأس به .. وقد فقت أقرانا كثر فيه .. ومع ذلك فإني لا أجد لا الشكر ولا الثناء الحسن .. بل التوبيخ والتقريع دائما .. ثم يسألون لم أنت غاضب ؟ .. بل إن بعضهم بلغ به الحد أن قال إنه لا يحق لي أن أغضب ..

 

أما الطاعة في الأمر .. فإن كل مدير يأمر وينهى ويستمتع في ذلك أشد الاستمتاع .. وهذا حق له في العمل .. وأما التصديق فيما أخبر .. فإنها والله أمر لا أستطيع .. لأنه إن لم يؤيد الخبر حدثا فهو عندي بمثابة كلام غير مسؤول .. وفي حياتي العامة والخاصة .. لا أصدق كل ما أسمع وبعضا مما أرى .. لأن الأمور أحيانا لا تكون كما هي ..

 

ففي الأدب الأمريكي .. أن ملكين هبطا من السماء .. ثم ساروا في الأرض .. فأدركهم المبيت عند قصر .. فطرقوا الباب .. فخرج إليهم رجل .. فاستضافوه فكانت شر ضيافة .. وجعل مكانهم في سرداب تحت الأرض ليبيتو فيه .. وبينما هم جلوس قام الملك الأكبر فأصلح شقا في الجدار .. فتعجي الملك الأصغر .. ثم في الصباح خرجا يمشيان ..  فأدركهم المبيت عند صاحب كوخ وكان ساكنا هو وزوجته فيه .. فقدما لهما الطعام .. ثم أتيا بأحسن الفرش ليبيتو عليه .. وفي الصباح كانت الفاجعة .. فقد ماتت البقرة والتي هي مصدر رزق العجوزين .. فغضب الملك الصغير وقال .. أضافونا فأحسنوا ضيافتنا ثم أمت بقرتهم ؟؟!! .. وأصلحت جدارا لرجل أساء إلينا !! .. فقال الملك الكبير .. أما الأول فكان خلف الشق كنز .. فلم أرده أن يصل إليه عقابا .. واما البقرة فإن ملك الموت أتى في الليل ليأخذ زوجة الرجل .. فأعطيته البقرة .. ثم قال .. الأمور ليست كما تبدوا دائما ..

 

والله في كتابه حدثنا بعجائب كهذه .. فيما حصل بين الرجل الصالح وموسى .. حين ركبا في السفينة وحينما قتل الغلام .. وغير ذلك .. فلذلك فإن الأمور ليست كما تبدو .. والأسد إن برزت أنيابه لا يعني أنه مبتسم ..

 

وأما اجتناب ما نهى عنه وزجر .. فإني في كثير من الأحيان لا أتقيد به .. لأن المنهيات والمحظورات لا تتأتى إلا منظور شخصي ضيق .. فيه كبت للحريات وقهر للذات .. واعلان السيادة .. اللهم إلا ما كان يصب مباشرة في صالح العمل .. وهو قليل من خبرتي في عملي ومجالي ..

 

 

وأما  أن لا يتم العمل إلا بما شرع .. ففيه مقال طويل .. فإن الكارثة العظيمة .. حين لا يعترف رجل ما بخطئه .. وكما نوهت سابقا .. فإن الإداريين يصيبون ولا يخطؤون .. لأنهم ملا ئكة منزلة .. أنا لم أقل أنهم شياطين .. ولكني أريد منهم أن يدركوا بشريتهم الصرفة .. وأنهم بشر يصيبون ويخطؤون .. ويفسدون ويصلحون أحيانا ..
فإنك حين تريد جدالهم في العمل .. لا تجد إلا جوابا واحدا .. نفذ ثم ناقش .. أو هكذا تتم الأمور .. أو .. أو .. كثيرة هي الأعذار .. وفي مجالي كنت كثيرا ما أحذر من أمور كثيرة في العمل .. ثم لا يلقون لها بالا فيقع وبالها على الجميع وعلي خاصة .. كل ذلك لأن المعصوم لا يخطئ !! .. وإذا أخطأ لا يتحمل النتيجة .. طالما أن تحت يديه عبيدا تعمل وتكد ليل نهار .. ومنهم  لصوص المعرفة .. وقد وقع لي اشكالات عدة في هذا المجال .. لأن اللص حين بسرق .. لا يسرق إلا كل غال .. ففي أحد الأيام كنت قد اقترحت على أحد الكبار .. أن يتم تغيير برمجي في نظامهم حتى يكون أكثر مرونة .. وقد قوبل الطلب بالرفض الشديد .. وابداء أعذار عجيبة غريبة .. وفي أحد الأيام .. كنت جالسا وعلى وشك انهاء عملي ذهابا للبيت .. فإذا بي أفاجأ بأحدهم وقد طرق الباب ودخل .. فجلس وحمد الله وأثنى عليه .. ثم استفتح فقال (لقد اكتشفت عجبا وإني مستشيرك فيما اكتشفت .. فقلت هات ما عندك .. فعرض علي ما كنت قد طلبت منهم .. ولكن هذه المرة كانت باكتشافهم العبقري .. فكدت أن أضربه لولا أن الله سلم ولطف .. فإذا كان هؤلاء القوم هم أهل اللصوصية للمعلومات .. ويحرفون عنا أمورا وينسبونها لهم .. فكيف لي أن أعرف أنهم لا ينسبون إلي ما لم أفعل ؟؟!! ..

 

ولصوصية المعلومات لم تكن يوما حكرا عليهم .. بل إن ممن عاملتهم من أهل المكان قاموا به .. ضاربين بكل القيم عرض الحائط .. ثم يسألون لم أنت غاضب متوتر؟ !!

 

أعجب ممن يكون سببا في الداء أن يسأل كيف وصلك الداء .. أنا لا أقول أنهم شياطين كما أسلفت سابقا .. ولكن من أراد الولوج إلى هذا العالم .. فليكن في علمه أنه مسؤول .. حاله كحال أي مسؤول في الدنيا .. لكن الله سيسألك عن من هم تحتك .. فإن أحسنت واتقيت الله فيهم .. فأنت الفائز وأما إن اتقيت رؤوسك في الله فإنهم لن يغنوا عنك شيئا ..

 

ثم إن الكثير منهم يشرع وإن كان ربا للعمل .. ويدس أنفه في كل التفاصيل التي يعلمها والتي لا يعلمها .. ويتحدث ويفتي .. ويهذي بما بما يدري وما لايدري .. ويهرف بما يعرف ومالا يعرف ..  

 

والمأساة الكبرى .. حين تكون سيدا لنفسك في لب عملك .. ولا أحد يعرف حقيقة عملك .. لأنه لا اختصاص لأحد غيرك فيه .. فإنه لن يعرف أحد مقدار المعاناة التي تجنيها في حل المسائل وحملها على الاستتباب .. فلا تجد قيمة لعملك أحيانا في عيون غيرك .. رغم أنه مفخرة عظيمة لك ما إذا علمها شخص يفقه في مجال أنت فيه .. ثم تتحدد المعايير كاملة للتقييم بكلام لا أفقه له معنى .. ولا أدري من أين أتوا به ..

 

 

 

- وأتوا البيوت من أبوابها
                         
                    وهذه قارعة عظيمة فيهم .. فإنك آخر من تعلم حينما يكيدون لك الكيد .. فتجني العاقبة دون سؤال أو توضيح من أحد .. ثم يقال لك .. ليس من حقك أن تعرف !! .. يا سبحان الله من حق غيري التكلم ومن حقك الحكم ثم لا يكون من حقي معرفة الأمور والدفاع !!!!!! .. في قانون من هذا ؟؟ ثم إن أردت المناظرة والمواجهة جوبهت بالرفض .. والحجة في ذلك معروفة .. حتى لا تتسع الهوة .. يا سبحان الله !! ..

 

 

 

 

وتحمل نتيجة أفكاره الخاطئة بكل صدر رحب ،
للأسف هذه حقيقة .. فهم يقومون بكل عمل صالح .. وأما زلاتهم فإن لها يسوعا مخلصا .. ولا بد أن يكون اليسوع قادرا على التحمل .. صامتا .. حتى يفديهم الفدية العظيمة .. والتي لا قيمة لها .. لا عندهم ولا عند غيرهم ..
لكن لا بد لك أن تتحمل نتيجة أخطائهم في العمل .. وأحكامهم في العمل .. لأنها تصب في صالح العمل .. وإن كانت كارثة على كل من عملوا تحتك.

 

 

 

 

وعدم اثبات خطئه لأنه معصوم عن الخطأ ، كرجل عاشر الكثيرين ، أقولها بكل صراحة ، من أراد أن تثكله أمه في عمل ، فليثبت على رئيسه الزلل ‘ أو يوصمه بالخلل ، فإن المصاب جلل ، والطرد سيأتي على عجل أو اصبر حتى يصيبك الملل ويدركك الكلل وتكتسي حلة الهبل.

 

ماذكرت هو نقطة في بحر .. وغيض من فيض .. من يقرأ يظن أني متحامل .. والعكس صحيح .. فليس بطبعي الحقد أبدا .. لأن الحقد له أهله وناسه .. ولست ممن يؤمنون به .. بل على العكس .. سرعان ما أنسى الإساءة إذا قوبلت باعتذار أو بعذر مقبول .. وليس عندي مبدأ العين بالعين والجروح قصاص .. مع أنه حق شرعي ..

 

 

ومن الأمور التي تثير اشمئزازي .. الاستخفاف والشك في غير محله .. وجرى لي مع هذه الأمور قصصا عجيبة ..  سأرويها في غير هذا الموضع لطولها ..  ولكثرة أحداثها التي كادت أن تصيبني بالخبال ..

 

ومن الأمور الأخرى ..  محاولة التخطيء واظهار العثرات وتتبع العورات ..  وهذا باب عظيم من الأبواب المفضية إلى الجنون .. فحينما تأتي بحل لمشكلة وتمحصها وتتفكر بها ثم لا تدع بابا إلا طرقته .. ولا كتابا إلا نخلته .. ثم تفاجئ بإجابة مستفزة .. (مش مقتنع) .. علك لا اقتنعت .. وهل مثلي يهمه ما إذا كنت مقتنع أم لا ؟ ..
ومن أنت حتى تقتنع ؟ .. والله المستعان في ذلك ويدخل في هذا الباب باب آخر .. وهو مسألة توريط الآخرين .. ونصب المكائد لهم .. كما وقع معي أكثر من مرة .. مع العلم أنني مدرك كذبهم وأساليبهم الملتوية لفعل الأشياء التي يريدون ..

 

ومحاولة اظهار عجز الآخرين هي سمة معروفة .. والحجة في ذلك لاستخراج الطاقة الكامنة .. حتى يصبح شخصا صالحا .. قد يستطيعون الوثوق بأحكامه ..

 

 

وللحديث بقية طويلة .. وإلى هنا أنهي الكلام على الجزء الأول ..

 

 

 

Posted by بدائع الزمان at 15:21:07 | Permanent Link | Comments (0) |

Sunday, September 30, 2007

شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب .. الحلقة الخامسة والأخيرة ..

الحمد لله الذي تقدس في العلاء .. والحمد لله الذي أنزل الأسقام والبلاء .. وأتبعها بالشفاء والدواء .. وأصلي على المبعوث طبا للقلوب .. ونجدة لمن ضلوا الدروب .. وآله وصحبه أنقياء القلوب .. ما عظمت أو تصاغرت الخطوب .. أما بعد :

 

 

فإن للحديث شعبا متشعبة .. وأقاصيص تروى ملتهبة .. تذكر فيها الأيام الخوالي .. فيعرف العدو ومن هو الموالي .. فلقد رويت في الأجزاء السالفة .. سيرة الأعراب وقد بدت تالفة .. فذكرت ما شهدت به العيون .. ولن نذكر التخمينات والظنون .. وإني ماض بعزم الواحد الأحد .. لإكمال ما بدأت في رشد .. وسوف أعقب عن كل الموظفين .. الصالحين منهم والطالحين .. فاعلم رحمك الله .. وأعطاك من الثواب ما تتمناه .. أن الله خلق الخلق مختلفين .. وهم كذلك إلى يوم الدين .. فقال سبحانه في كتابه المبين .. (ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) .. فلا تكن عن كتاب ربك من الغافلين .. ولكن تدبر بإمعان كتدبر السابقين .. من السلف المعروفين بالحكمة والتزام الدين .. ثم اعلم رحمك الله رب العالمين .. أن العباد في طرقهم غير متفقين .. فلكل محدث طريقة .. ولكل كاتب عريضة .. واعلم أن الله وكل بكل انسان طائرا ملازما .. يكتب أخباره وما كان عازما .. واعلم أن المآل بين يديه .. فيعرض ما جنته أيدي البشر .. وما اقترفته نفوسهم وكل قد استطر .. واعلم أن الموت آت لا محالة .. فحصن نفسك تكن بعيدا عن الضلالة .. ثم اعلم أن الجسد يشهد على النفس يوم القيامة .. حين لا تنفع العتبى ولا الملامة .. ثم إني بذكر أهل القرية بأفعالهم .. ونقل ما ورد من أقوالهم .. هو ما أنا عليه عازم .. وإن أدركتنا منهم الشتائم .. ففضح أهل الضلالة ليس بالأمر المشين .. حتى تستبين طرق السائرين .. ولا يقع في شباك مكرهم أي المتقين .. وأبدؤهم بإمام النفاق .. ومنبع الشقاق .. وسوء الأخلاق .. والذي عرف بحنزويه الغريق .. فمذ وقعت عيني عليه .. وأنا أتوجس الشر بين يديه .. فلئن رأيته رأيت الغدر في عينيه .. وهو ممسك بعصا السحرة بكلتا يديه .. ولقد وقعت لنا معه قصة ظريفة .. وإن كانت في وقتها ليست بطريفة .. فقد أرجف في المدينة أننا تركنا الصلاة .. وأننا تألينا على المولى في علاه .. فعقدت العزم وفكرت .. ثم قدحت الفكر وتأملت .. فخطر لي أن أبعث برسالة مخيفة .. تكون لإرجافه عبرة خفيفة .. فقام بتحويل الرسالة لابن كذبويه .. وقرأ ما سطرت وأرخى شدقيه .. ثم بعث إلينا بمرسال .. أن احضر إلينا في الحال .. فأرعد وأزبد .. وغرس خنجر الحقد وأغمد .. ثم انفرد به فقال .. إليك عنه هذا السؤال ؟ .. فإن المرسال إليك بالتخيصص .. وهو أمر ليس بالرخيص .. فوقعت على رأسه الواقعة .. ونزلت عليه كالصاعقة .. ثم تركنا وشأننا برهة من الزمان .. وحاد عن سبيلنا حيد الغلمان .. وأصبح يكيد لنا بالخفاء .. والله عالم بأمره وهو في السماء .. ولكني أنقل إليه النصيحة .. بلغة عربية فصيحة .. فكل من ظن أنه مولى .. فالله لكل مولى مولى .. وأنا ابن زهرويه فله قصص عجاب .. ولكن والله يعلم أني أحبه .. فهو صافي القلب والسريرة .. وما علمنا عليه مثالب وفيرة .. وإن كان قد أخطأ في بعض الأمور .. فالله يسامحه في الدنيا ويوم النشور .. فإن للرجل حسنات كثيرة .. وخيرات وفيرة .. من أنكرها كان من الله بعيدا .. وحرمه حقده أن يعيش سعيدا .. وأما ابن ملكويه فرجل الفواتير .. ومن كانت تصطف لبرنامجه الطوابير .. ولقد نقلوا عنه أحاديث عجيبة .. وأمورا غريبة .. من أنه كان يبتسم للخلان .. ثم يقصفهم عند المدير الغضبان .. وهذا ما ورد إلينا عنه من الأمور .. وإني بريء من كل الكلام إلى يوم النشور .. فما اعتدت أن أقدح الناس بما لم أر من أفعالهم .. وأن أخمن الشر في تصرفاتهم .. وهو عندنا رجل صدوق .. وزين أمره أنه جد خلوق .. وأما ابن عزمويه فرجل قليل الكلام .. يكثر على نفسه الملام .. ولقد كان سببا في خروجنا من تلك القرية البائسة .. وخلاصنا من الأقنعة الزائفة ..  والله يتولى الجميع برحمته .. ويعطي كلا على نيته .. وأقول لهم جميعا كلمة أخيرة .. تكن لهم في الدنيا نعم الذخيرة .. ومنجية في الآخرة من مهلكات كثيرة ..

 

 

فأقول للجميع .. بملء في والله السميع .. إن الحياة وإن طالت فلا بد لها أن تنتهي .. فهذا اعتقاد أهل القبلة جميعا .. وأن الله يكتب الأعمال على ابن آدم ثم يعرضها جميعا .. فمن وجد خيرا فليحمد الله .. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .. وإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة .. ولو ساوت لما سقى كافرا منها شربة ماء .. ولكن احسبوا لتلك الحفرة ألف حساب .. فإن الله كرم البشر بالعقول .. حتى يتبين لهم السبيل .. فإن حادوا عنه فقد ظلموا أنفسهم .. فاتقوا الله وأصلحوا سرائركم .. ونقوا أنفسكم وبطائنكم ..

 

 

فإن العاقل من دان نفسه .. وعمل لما بعد الموت .. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .. ولا يقولن أحدكم هذا هو العمل .. وهذا هو البزنس .. فإن الله لا يلقي بالا لهذا ولا لذاك .. فقال كما في الحديث القدسي .. يا عبادي إنما هي أعمالكم .. أحصيها عليكم ثم أوفيكم اياها .. فذكر إحصاء الأعمال بالمطلق .. ولم يحدد ..  لأن التحديد يكون على ميزان النهج والشريعة التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. فالله الله في أنفسكم .. وإني قد نصحت فوفيتكم .. فلا يأتيني أحدكم يوم القيامة ويقول لم لم تبلغ ..  اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد ..

 

 

وإلى هنا تنتهي الأجزاء جميعها .. شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب ..

 

 

فذكرت ابن كذبويه وابن مسكويه وذا اللحية الكذاب وابن شكويه فهؤلاء الحثالة كان لا بد لنا من تعريتهم حتى يتبين للناس كذبهم ونفاقهم .. ولا تغرنهم فيهم طلاقة الألسن فإنهم يلبسون جلود الحمل على قلوب الذئاب .. وهؤلاء من الذين وقعوا تحت قوله تعالى ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) .. وأقول للأعرج الدجال .. اتق الله وأصلح ما بينك وبين الله يصلح ما بينك وبين الناس .. فإني قد رأيت بغضك يشربه الناس مع الماء .. فلم يتناهى لسمعي أن أحدا يحبك على هذه البسيطة .. واتق الله في عيالك .. لأن الناس إن أسروا كراهية لهم .. فستكون سببا في ذلك .. وسيلعنك أهل الأرض جميعا مادمت لا تتقي الله في نفسك .. وأنصحك بالاغتسال بعد الخروج من قضاء الحاجة .. فإنه يحجب الأمراض .. وحتى تقبل صلاتك .. وحتى لا تكون من المقززين .. وأقول لابن شكويه .. اذهب إلى أي طبيب يعالجك من حال الخبال الذي وصلت إليه .. فإن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل معه دواء .. وأقول لذي اللحية الكذاب .. (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) .. وأقول أخيرا لابن كذبويه .. دعك من غرورك وانتبه من شرورك .. فالله قد حذرك مرة .. وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ..

 

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ..

 

Posted by بدائع الزمان at 03:11:57 | Permanent Link | Comments (0) |

Tuesday, September 25, 2007

شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب .. الحلقة الرابعة

الحمد لله الذي قصم الظالمين .. ورد كيد الحاسدين .. وحذر من الوسوسة والشك في العالمين .. ومقت سوء الظن في كتابه المبين أما بعد :

 

 

فقد توقفنا في الحلقة الماضية عن بدء العهد الجديد .. والخير المديد .. بعد أن غادرنا اللئام .. وحسنت الأمور على أكمل التمام .. ولا بد لنا من استعراض سيرة ابن شكويه .. وما جنى علينا من بفعل يديه ..

 

 

أما ابن شكويه .. فكان شريك ابن كذبويه .. وكان كثير الشك في الناس .. عظيم الريبة والالتباس .. وكان أول من قابلنا من الإداريين .. لمعلافة ما عندنا من علم ودين .. وكنت أحسبه صافي النية .. حسن الطوية .. فكنت أحدثه بكل شفافية .. ودونما اخفاء أي بلية .. ومكثنا على ذلك بعض الشهور .. ثم ما لبثت أن بدأت ألحظ أمرا غير مألوف .. وعكس ما عند الناس معروف .. ولقد رأيت فيه من الغرابة الشيء الكثير .. وما هو عجيب ومثير .. فلما تحسست الخبر .. ودققت النظر .. همس إلي أحدهم بالخبر .. وقال إن الرجل شكاك .. وهو غير ذلك أفاك .. فقلت بالله الاستعان .. والحذر منه واجب قدر الامكان .. وكنت كلما مضت الأيام .. أكتشف أنه ليس على ما يرام .. فقد كان يقتنص الموظفين .. وكان لنزاهتهم من المشككين .. حتى أنه قد أسر لنا الاتهام .. لبعض الأقوام ممن عندهم من الكرام .. وكان بعضهم من الأركان .. في قرية الظالمين اللئام .. فمن ذلك على سبيل المثال .. لا الحصر إنما الاستدلال .. فقد حدث أن أحد الأعمدة .. طلب هاردسكا من التالفة .. ليعينهم في الأعمال .. ويكون الله له عونا على الاحتمال .. فأرسل في طلبي في الحال .. وهو يزمجر بقرف محال .. فقال أسرع وامض إلى المطلوب .. ثم فرمته بالمقلوب .. وكن على علم بأن لا معلومة لدينا سهلة الوصول .. إذا ما استعملت برامج أثرها غير معقول .. وفعلت ما هو مطلوب .. وتممت له المرغوب .. ولكني شعرت بمرارة .. من تلك الحكاية بحرارة .. فحدثت نفسي قائلا .. وقد جلست إليها متسائلا .. إن كان هذا الركن غير موثوق .. وهو قائم أمين غير مسبوق .. فما يقول الجديد من أمثالنا .. إذا كان فعلهم يغير من أحوالنا .. ثم عرفت أنه مريض .. وأنه لا سبيل عندنا من التعريض .. وحدث أن صارت في القرية بلبلة .. وعلت الأصوات بالولولة .. فأخذ يجتذب أطراف الكلام .. ليكون على يقين بالتمام .. ثم بعد ذلك أرخى ستارة الشك على الحكاية .. غير مصدق ما جرى من البداية .. وكان كثيرا ما يعرض بالموظفين .. على سبيل معرفة رأي الآخرين .. ولكني كنت صديدا عتيدا .. لم أعط عن أي شخص خبرا جديدا .. وإني أقسم بالله العظيم .. أنني ما آذيت منهم أحدا حتى اللئيم .. ولقد كان يعرض لنا دائما في المقال .. ويلمزنا في كل الأحوال .. وكان يعلم أننا نملك الروية .. ونملك العلم والفهم والعبقرية .. فكان دائما يتحقق مما أقول .. ويجمع الكلمات عنا والنقول ..  وحدث أن جاءنا متدرب جديد .. خفيف الظل عتيد صنديد .. فأقسموا بالطلاق ثلاثا أن يعمل معي .. ومع الشمطاء ليلوو أذرعي .. فوضعو لي عانسا رهيبه .. عديمة الفهم قذرة خبيثة .. وأصبحنا ثلاثتنا كالفريق .. وعدنا للحكم بحكم الإغريق .. وكانت كثيرة المشاكسة .. وكثيرة العناد لا تعرف الممارسة .. وكنت أبغض كل بليد .. وأدعو الله أن يخلصنا من شر العبيد .. وكنت كثيرا ما أنصحهم بالعدول .. عما يعملون به من حلول .. وكان الجواب كالعادة .. تطنيش واستهزاء وبلادة ..  حتى حكم ابن كذبويه .. أن يرحل أحدنا لمؤتمر بربيعويه .. وذهب الشاب الصنديد .. ليلقى الخبير العتيد .. فوالذي نفسي بيده .. ما خرج قوله عن قولي بحرف واحد .. وما أنكر ذلك إلا كل جاحد .. فلما أن رجع وأعلن الخبر .. تمعرت وجوههم وأحسوا بالخطر ..  وعقد الاجتماع تلو الاجتماع .. مع المدراء شر الرعاع .. فحاولوا ايجاد الخلل .. وتحري مواطن الزلل .. فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين .. ووقف العتاة للأفواه فاغرين .. فزاد نقمتهم شدة .. وعلت وجوههم الحدة .. وقالوا قد أزف انتهاء المدة .. واعلان البراءة والردة .. وعملنا بكد كالحمير .. على احتواء ما يريدون من تطوير .. ثم ساءت الأمور ووصلت ذروتها .. وأعلنو باجتماع منفرد معروفة خلوتها ..  فأرسلوا إلي ابن شكويه .. وقد بدأ ينفض كلتا يديه ..  وكان متحدثا لبقا .. في العلم لا يشبع شبقا .. فأدار دفة الحديث .. وفتح المجال للتحديث .. فحمدت الله ثم أثنيت عليه .. وصليت ركعتين لله بين يديه .. ثم استأنفت الحوار .. حتى شعر بالدوار .. فأخرجت كل مكنون .. وما فعله كبيرهم المجنون .. ونائبه المأفون .. فجحظت عيناه .. واختل توازنه فلم يثبت ركناه ..  فحيث أعلمته بعلمي بأسرارهم .. وماهية عوراتهم .. وما يخططون في اجتماعاتهم .. فحاول التملص والهروب .. وركبته الأحزان والكروب .. فحاول أن يدخل من باب الدين .. وصار يحوقل كالزاهدين ..

 

فدخل من باب انكار المعروف .. وما آلت إليه الظروف ..  وكانت عندهم كلمة معادة .. يأخذ علمها منهم من أراد الاستزادة .. فقال كثير قد نكرو المعروف .. واستغلو الظروف .. فقلت له مجيبا .. والجواب كان قاسيا عجيبا .. إن الله يأمر بعدم المن في الصدقة .. وإن المنان يبطل معروفه بالمن .. وكثرة التعيير به والزن .. وأن الله شبههم بصفوان عليه تراب .. فأصابه وابل صباب .. فعاد نظيفا لا شي عليه من التراب .. وأخبرته أن حالهم كهذا .. وأن جوابي هو جواب لماذا !! .. فتعجب أيما عجب .. وراتجف دونما سبب .. فعلم أن لا قوة له به علينا .. وأننا من ظهور الأشداء قد أتينا .. ثم كانت لنا معه قصة .. أثارت في صدره حسرة وغصة .. فبعد أن أوشكت الأيام على النهاية .. وآيست منهم أن تهبط عليهم الهداية .. أردت أن أسبه باحتراف .. وأعلن أمام الجميع اتهامي له بالانحراف .. فعمدت إلى أقصوصة على الحاسب .. وانظر ما أنا فيها كاتب .. فقلت كما يلي .. وإنني والله لله ولي .. إذا من وجدت فيه هذي الصفات .. فاحكم باختلاله في الدرجات .. شك وسوء ظن في العالمينا .. ووسوسة تسمى بوسوسة القاهرينا .. فمره بمراجعة طبيب نفسي .. فهو بعلاجه جدير سوي .. ومرت أيام أربعة .. وهي على الجهاز مربعة ..  وأتاني ذات يوم وأنا في العمل .. أكد بلا تعب أو كلل .. وحتى ألفت انتباهه .. غيرت متعمدا كم لديه سر يريد اخفاءه .. فأمر بالعودة ليرى المكتوب .. وتتضح له السبيل والدروب .. فماطلت كثير أثير في الفضول .. وحبه لمعرفة اللامعقول .. فرجعت إليها وقد تصنعت الاستحياء .. وأنني مما كتبت أعلن البراء .. وكان من حولي يعلمون .. بما جرى تخطيطه وهم متعجبون .. فلما رأوه على حاله .. وما استجد من أحواله .. تعلقت أسماعهم بما سيقول .. حينما يقرأ ما هو منقول .. فلما قرأها استعجب وغضب غضبا شديدا .. وقلت ويلك يابن سليمان قد استثرت أسدا رعديدا ..  فقال من كتب هذا الكلام .. حتى يوبخ بلا ملام .. فأخبرته أني عثرت عليه بمحض الصدفه .. فلا تؤاخذني بما خطت أنامل فتترائى الخلفة .. فقام يرعد ويزبد غير مستو .. وصار يدور كحبل ملتوي .. فلما بتعد عن المكان .. شهق من الضحك الخلان .. فقالوا إنك عبقري يابن سليمان .. حينما أعلمت ابن شكويه أن تعبان ..  وكان هذا آخر العهد به لعنه الله .. وجعل جهنم مورده ومأواه ..

 

 

وفي الحلقة الخامسة بمشيئة الديان .. سنكتب عن أفان أخر .. ولا يحل لمسلم إلا أن يأخذ منهم العبر .. وسوف أتحدث عن نفزويه وزهرويه .. وعن ملكويه وعن يمنويه .. وبعض الأحداث في زمان عزمويه .. فارتقبوا الحلقة الخامسة ..

Posted by بدائع الزمان at 01:54:10 | Permanent Link | Comments (0) |

Saturday, September 22, 2007

شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب (الجزء الثالث)

الحمد لله ذو العطايا الكثيرات .. والنعم الباهرات .. والخيرات القائمات .. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للكائنات .. محمد خام الرسل الأبرار .. وآله وصحبه الأخيار .. ما تعاقب الليل والنهار ..

أما بعد :

فقد وقفنا في الحلقة السابقة عند اتهام الأبرار .. بالسرقة ووصمهم بالعار .. وكنا ذكرنا معرفتنا بكذبهم .. وعارهم وافترائهم .. وكنا في معرض الحديث عن مسكويه .. وكيف حدثت خزيته على يديه .. وأقول بعد هذا الاستهلال .. وما فيه من تكملة للمقال .. فإنه قد حدث أن جائتنا مكائن جديدة .. وكان لابد من إعدادهن ليكن عتيدة .. فأناط بي المهمة .. مع ما عندي من أعباء ملمة .. فلما أمعنت فيها النظر .. أدركت مكامن الخطر .. فأرسلت إليه أن احضر على عجل .. فإني أريدك في أمر جلل .. فلما حضر ونظر .. أدبر واستكبر .. فقلت لا بد لهم من فحص المكائن .. حتى تظهر الأعطال من المكامن .. فقال لا يكون ذلك للناس .. وأنت فيك من ذاك الباس .. فقلت إن ما ذكرت غير صحيح .. ولكن استمع إلى التصحيح .. فإن عملي يتم بإتقان .. لا يباريه في ذلك الشجعان .. ولكن حسبنا إن عميت الأبصار .. فأصبحت لا ترى في وضح النهار .. فاستشاط غضبا .. وهز رأسه وانسل هربا .. فكان هذا آخر العهد به قبحه الله .. وأبعد عنه ما تمناه ..

وأما ابن زيدويه .. فقد وقفنا كثيرا بين يديه .. وكان ذا مزاج متقلب .. وذا عقل متصلب .. وكنت شديد المراس .. عظيم الباس .. ثم حدث أن كان لا بد من اجتماع .. قد دعي إليه بعض الرعاع .. لينظروا فيما أنجزنا وابتكرنا .. وما توصل إليه فعلنا حين فكرنا .. وكنت حديث عهد بتدريس .. وليس لي خبرة على التدليس .. فحضرنا ما شاء الله لنا التحضير .. وذهبنا إلى الاجتماع بلا تقصير .. وبعد أن دلس ما شاء .. وبلغ الكذب عنان السماء .. وجاء دورنا في الكذب .. وأنا إذ ذاك مرتقب .. فخرجت أتحدث بلا روية .. وبلا صيغة سوية .. وأصابني الريب والشك .. وقد ارتخى الحنك والفك .. فينما أنا على ذلك .. وقد بلغت موارد المهالك .. عثرت بجملة حسبت رديئة .. وقد خرجت عن حسن نية بريئة .. فاستشاط ابن زيدويه غضبا .. وتمعر وجهه عتبا .. ثم سكت فأحسن السكوت .. وخرجت من الاجتماع كالمبهوت .. فجاءنا بعد أن ودع الرعاع .. وأكثر من العتاب بلا مراع .. وجاء من أقصا المكان زهرويه يسعى .. ويدور برأسه كالأفعى .. فقال قد أخطأت في أمور عدة .. فأصبت ابن زيدويه بحدة .. وقد عانى المرار .. وأصر على الخروج والفرار .. ثم قام ذاك اللئيم .. بذلك الفعل العقيم .. فنشر في الأرجاء الخبر .. وكنت آخر من علم بما حضر .. وأرخى علينا في العتاب .. ما لا يسر به الأحباب .. ثم حدث أن حدث أمر جلل .. أصابني منه الشلل .. فعزمت على ترك القرية .. دونما خوف من أي فرية .. فقدمنا طلب الاستقالة .. وأردنا الجواب على عجالة .. فنظروا إليها متعجبين .. والبعض منهم صاروا مشفقين .. وبدأ السؤال والاستجواب .. عما ذكر في الكتاب .. فأخبرتهم أنني أصابني الملل .. وركبت جسدي العلل .. فقاموا بالتفاوض والكلام .. ليثنونا عن بث الكلام .. ثم حصل أن أتانا ابن زيدويه وقال .. لو طال ما طال من مقام .. لأجعلنك تترك القرية على الدوام .. ثم مرت ثمانية أشهر سراعا .. وزادت نقمتهم تباعا .. وجاؤونا بابن عزمويه .. ليكون في القسم مع بشرويه .. وألحوا أن يعمل معنا كالكرام .. وأن يكون شريكا في السلام .. ثم حصل أن حصل بيننا حدة .. قبيل النصف من رمضان بمدة .. فدعونا لاجتماع .. حضره من حضره من الاتباع .. وهنالك كانت النهاية .. وبداية عهد جديد من الولاية ..

فهذه نبذة عن ابن زيدويه .. وسوف نسوق أفعال ابن شكويه .. في الحلقة الرابعة  بعد مشيئة الله ..

Posted by بدائع الزمان at 03:23:38 | Permanent Link | Comments (1) |

Wednesday, September 19, 2007

شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب الحلقة الثانية

أقول مستفتحا بالذكر .. وصلاة مضمخة بالعطر .. على النبي وآله من يدري .. وأقول بعد توفيق الله .. متوكلا عليه ليس لي حول  سواه .. فإننا توقفنا في الحلقة السابقة عن ابن زيدويه .. وذكرنا أطرافا من سيرة ابن شاكويه وابن كذبويه ومعهم مسكويه .. أربعة أفذاذ كبار .. ليس لهم عند الخلق اعتبار .. وأسأل الله أن يجعل مصيرهم إلى النار .. وأن يحشرهم مع الفجار .. إنه قوي علي قهار ..

وأعود لذكر الطاغية ابن كذبويه .. فأقول ، إن من عرفه من الخلق ظن فيه حسن الخلق .. رغم ما يتمتع به من شقاق ونفاق .. وسوء طوية وأخلاق .. قهو من قلة تسوق الأمور لصالحها .. وتستغل الدين لجانبها .. فاتزر بالدين ليخفي العورة .. وحتى لا ينكشف فتقوم ثورة .. وكان من خبره أننا كنا معه على وفاق .. حتى حدث بيني وبين ابن زيدويه بعض الشقاق .. فانطلق ثلة من أهل النفاق .. يبثون الاشاعات في الآفاق .. وكان منهم رادويه وزهرويه و نفزويه .. ودخلنا في قيل وقال .. ومعمعة في السؤال .. وبعد أيام وأسابيع .. جفت المياه والينابيع .. وهدأت النفوس .. وأصبحت الرجل المطموس .. وصار أصحاب المكان يتحاشون الخلطة .. حتى كدت أصاب بالجلطة .. ثم بعد أيام قلائل .. حصل بيني وبين نصرويه خلاف قاتل .. واحتدت النفوس .. واجتمعت علينا المجوس .. وجاءنا مسكويه .. ليحل القضية مع نفزويه .. فسمع مني ثم من نصرويه .. ودخل إلى المدير ابن كذبويه .. ليروي ما شاء الله له أن يروي .. ثم كان أن وقعت شر وقيعة في ألسنتهم .. فما كان مني إلى أن جردت لساني من غمده .. وأعلنت الحرب بلا هوادة .. على أهل الفجور والقوادة .. من ابن كذبويه لابن مسكويه وابن زيدويه وابن شاكويه .. وكان الدجال الأعظم ابن نفزويه وقد تآمر مع راديه وزهرويه لتطفيشنا من مقام سيبويه ..

ثم جاء الدور للتشدق بالنحو وتصريفه .. وبالشرع وتحكيمه .. فوقفت وقفة متمرد .. ولم أكن قط متردد .. فدفعتهم شر الدفع .. وأعميت أبصارهم وأذهبت بالسمع .. فلما رأو أن لا قدرة علينا في علم الكلام .. ولا بأس علينا ولا ملام .. أخذوا ينبشون في العمل .. دونما أي كلل .. لإيجاد أدنى الخلل .. ليكون حجة في الترفع .. وعلة الحمار التنطع .. فلما استيأسو خلصو نجيا .. وصار أمر الإبعاد جليا .. فأعطونا من شر المشاريع .. أقذرها وما هو معروف بالرقيع .. وقالوا هذه هي الفرصة .. لتجتاز المحنة .. ولتحظى بالرحمة .. فقمنا بالمهمة على أكمل التمام .. وانتظرنا ذلك الوعد المشؤوم  والغفران .. فبدأ ابن كذبويه بالتهرب .. وابن شاكويه بالتصلب .. فلما آيست منهم كل اليأس .. وأدركت أن لا أمل في الوعود .. وأنه لا وجود عندهم لمودود .. عزمت على اقتناص الفرص .. والتمست في ذلك من الشرع الرخص ..

وكانوا من أسوأ الناس إذا غادرهم أنسان .. وطواهم جميعا في صحف النسيان .. كما ذكروا عن رفاعويه حين هجرهم شر هجران .. وترك عربدتهم في جحر الظربان .. فكالوا له التهم .. حتى اتهموه بسرقة أعماله .. وأنه وقع بسبب خباله .. والله العالم أنه بريء .. وأنهم افتروا الكلام بقلب جريء ..

والتكملة في الجزء الثالث بعد المشيئة .. والسلام عليكم ورحمة الله .

Posted by بدائع الزمان at 01:49:29 | Permanent Link | Comments (0) |

Tuesday, September 18, 2007

شذرات الذهب .. في أعفان من ذهب الحلقة الأولى

حدثنا ابن الصافي عن ابن لكع عن أبيه عن جده قال :

بينما نحن جلوس عند ابن سليمان .. وقد جرى في خبر ما كان .. في بعض أيام الزمان .. إذ طلع علينا رجل أعرج مصاب .. وقد بدأ يتخطى الرقاب .. فلما لمحه ابن سليمان .. تشنج كأنما مسه الجان .. فكلمه هنيهة على عجل .. وقد بدا أنه أصابه الملل .. فلما ذهب الصاب .. نظر ناحيتنا ثم قال ..

أتدرون من هذا المصاب؟ .. فقلنا له ليس إلى ذلك من سبيل .. فحمد الله ثم استرجع .. وحوقل ثم اتبع .. ثم استفتح فقال :

قضت بنا الدروب .. وكثرة الكروب .. والحاجة للعمل .. وإعمالة الملل .. أن نعمل لدى جماعة .. قد زينت سمعتهم بالطاعة .. وشاع عنهم الحفاظ على الجماعة .. والاستغفار في كل وقت وساعة .. وصيام النوافل من اثنين وخميس .. والابتعاد عن أعمل الشيطان الرجيس .. فلما سمعت الخبر .. قلت قد جوزي من صبر .. فقذفت نفسي بين أيديهم مخلصا .. وكنت لهم كالمسيح للنصارى مخلصا .. ودأبت على خدمتهم كالحمار .. وصبر على طلبات المتقين الأبرار .. وكلي حسن ظن بالصالحين .. والدعاء بإصلاح الدنيا والدين .. وكانوا كأي قوم معروفين .. لهم إدارة وموظفين .. وكان رأسهم سيد الأبرار .. وحامل لواء الأخيار .. صاحب الخلق الحسن .. ومدرك إخوانه من المحن .. وكان لا يتوانى في التسبيح .. وإطلاق كل قول مليح .. فإذا جلست بين يديه .. خلته في النحو ابن مردويه .. وفي الفقه ابن خالويه .. وفي العقيدة ابن مالويه .. وفي العلم ابن خصيتيه .. وكان يكنى بابن كذبويه ..

وكان له نائبان .. حسنا الخلق ظريفان .. أحدهما الأعرج ابن مسكويه والآخر ذو اللحية ابن زيدويه ..

فأما الأعرج ابن مسكويه .. فكان رجلا قليل الكلام .. صاحب عفة ووئام .. وداعية من دعاة السلام .. وأما ابن زيدويه .. فكان من الخشوع بكاءا .. وللظمآن سقاءا ..

وكان لابن كذبويه شريك حسن السمت .. كثير الصمت .. وكان يلقب بابن شكويه ..

ولهؤلاء الأبرار قصص عجيبة .. وأحوال غريبة .. من رآهم خال فيهم الشهامة .. وقلوبا أبيض من الرخامة .. وأرواحا ترف كالحمامة .. ولم أدر أنها كالقمامة .. تعج بالأعفان حتى الثمالة .. ..

وعشت على ذلك ردحا من الزمان .. وأنا أؤمل الرقي إلى العنان .. ولم أكن أدري بما يجريه القدر .. وأن أحداثا ستكون فيها العبر ..

وبعد أن أمضيت عندهم مدة .. وقضيت فترة التجربة كفترة العدة .. جلست إلى ابن كذبويه .. لينظر في أمرنا .. فأقسم بالطلاق ثلاثا أننا من الأبرار .. وأنه ما خاب من استشار .. فلابد أن يجالس نائبيه .. وشريكه ابن شكويه .. لينظر إلينا بإمعان .. وليفتي في أمرنا بإتقان .. وأصر بعد ذلك على الاستخارة .. ليتمم ما قال من عبارة ..

وجاء في الصباح .. وأعلن الاجتماع كاستفتاح .. فحمد الله ثم أثنى عليه .. وصلى على الرسول والصحابة ورضي عن زوجتيه .. واستغفر الله سبعا وسبعين .. ثم قام فصلى بنا ركعتين .. ودعا بدعاء القنوت في ساعتين .. ثم استأنف فقال .. مبروك عليك الوظيفة .. ولك منا المدائح الخفيفة .. وإن الموارد شحيحة .. ونفقات العيال غير مريحة .. وأطلق الكلام على هذا المنوال .. وتغنى به كأنه موال .. فما زال يشتكي من الفاقة .. واشتداد الحال .. حتى كدنا أن نعفيه من الرواتب والأموال .. وزهد لنا في الرواتب .. ووعد خيرا في العواقب ..

فخرجنا من عنده نحمد الله على العطايا .. ونسأله الخير في النوايا ..

ومر شهر تلوه شهر .. وبدأت على المتقين علامات التغير والقهر .. وبدأت الأقنعة بالسقوط .. وجرت الأقدار بما هو مخطوط ..

فأما ابن كذبويه فقد بان على حقيقة أمره .. وبان لنا عظيم مكره .. فإذا به صاحب حيلة في الكلام .. وصاحب قدم عند اللئام .. وليس أفضل منه في قطع الوعود .. بما هو موجود وغير موجود .. ويحلف بالله على كل أمر أنه حسن النية .. صاحب خير طوية .. ولكنك لاتدرك منه إلا الهباء .. كوعده لك أن تمطر السماء ..

وأما شريكه ابن شكويه .. فذلك في الشك معروف ..ووعده كذب مخلوف .. يحيك بالليل المكائد .. ويصطاد في الماء العكر والراكد .. وكان هو المسؤول عني في التدريب .. وفهم أنظمة الحواسيب .. وكان عندنا عاقل لبيب .. نرجع إليه إذا احتدم الخطب .. وكان يسمعنا من جميل الكلام .. ثم إذا اجتمع بشريكه صب فينا الأسقام .. فلعنة الله عليه من كذوب ..

وأما صاحبه ابن مسكويه .. وكنا نسميه الأعرج الدجال .. لكثرة كلامه والجدال .. ولسوء عاقبة من كان تحت إمرته في الأشغال .. فإنه لا يعجبه العجب .. ولا الصيام ولا الصلاة في رجب .. وكان كثير الشكوى على الموظفين .. وأنهم في أعداء لله والدين .. وأن العمل يتطلب الجد والتعب .. وكثرة الإخلاص بلا نصب .. وكان مكروها من جميع الموظفين .. الصالحين منهم والطالحين .. وكنت قد وقفت له بالمرصاد .. أقتنص خزاياه في الحاضر والباد .. ووقع ذات مرة أن حضرنا للإفطار .. بعد أن انقضى قطع من النهار .. فجلسنا نأكل صامتين .. والكل على الطعام قائمين .. فنظر خلسة من إحدى النوافذ .. فإذا بقطيع من الأغنام .. يسوقه راع غير مفهوم الكلام .. فأحب أن يستفزنا بعبارة .. كانت على البنزين كالشرارة .. فقال وهو يبتسم بخبث واضح .. ولؤم جائح .. ماقولك لو أنك ترعى ذلك القطيع .. وأن تريحنا من شرك المريع .. فقلت له مجيبا فطنا .. إني أعرف بعض الغنم تريد راعيا .. فكف عن الكلام مراعيا .. فنزلت على رأسه كالساطور .. وضحك الجميع من خزية المغدور ..

وأما ابن زيدويه .. فويه من حاله ثم ويه .. فقد كان يلقب بذي اللحية الكذاب .. وإنه عندنا من شر أولي الألباب .. وسوف أكتب عنه بإطناب .. ليكون معروفا عند كل الأحباب ..

فما هذه سوى المقدمة .. وسوف نأتي بالتفصيل .. وما حدث وما قيل ..

والسلام عليكم ورحمة الله ...

نهاية الحلقة الأولى

 

Posted by بدائع الزمان at 03:25:21 | Permanent Link | Comments (0) |

Sunday, September 16, 2007

المقامة السليمانية الأولى